كل يوم الساعه

غير ما يخبط. قفل الباب وراها، وراح حاطط مفتاح على مكتبي.. مفتاح عمري ما شفته قبل كده.
قال ببرود ونبرة خلت جسمي يقشعر قبل ما تعملي حاجة تندمي عليها، أظن لازم تعرفي ليه رانيا واثقة جداً إنك عمرك ما هتقدري تشتكيها أو تأذيها.
المفتاح كان فضي، شكله مودرن، وواضح جداً إنه بتاع شقة من شقق العمارة.
سألته إيه ده؟.
هرش رامي في قفاه، ولأول مرة من أسابيع أشوفه متوتر ومش على بعضه، وقال ده المفتاح الاحتياطي بتاع شقة رانيا.
الأوضة سادها صمت قاتل. بصيت للمفتاح، وبصيت لجوزي، ورجعت بصيت للمفتاح تاني. بطني كركبت وقولتله وأنت إيه اللي جاب مفتاح شقتها معاك؟.
رامي سكت وتردد.. طول أوي في السكوت. وفي الآخر قال عشان هي اللي طلبت مني أشيله معاها عشان لو نسيت مفتاحها في أي وقت.
ضحكت بصوت عالي.. مش عشان الموقف بيضحك، بس من كتر السريالية والعبث.
يعني إنت عايز تفهمني إن الست اللي بتخرب بيتي وبتهد مشروعي، مأمناك إنت على مفتاح شقتها؟!.
يا أمل الموضوع مش زي ما إنتي مألفه في دماغك.
أمال إيه؟ فهمني الصح طيب!.
أخد نفس طويل وقال إنتي علطول بتسيئي الظن وبتفترضي حاجات من عندك.
مسكت المفتاح وإيدي بتترعش، وقولتله بقاله قد إيه الموضوع ده؟.
وش رامي خشب وقال أنا مش فاهم إنتي بتتكلمي عن إيه.
هزيت دماغي بالراحة، وفتحت اللابتوب، ودوست إرسال. وبعت البلاغ.
البلاغ اتبعت في نفس اللحظة لإدارة المبنى، قطاع الصحة بالحي، وشركة التأمين التجاري للمحل.
وش رامي خطف وبقى زي الليمونة المصرورة أمل!.
خلاص.. اتبعتت.
إنتي ملحقتيش حتى تستني وتقعدي تفهمي!.
أستنى إيه؟ أستنى لما طفلة تانية ينزل على فطارها مية مسح زفرة؟.
ضرب كف إيده على المكتب بكل قوته لدرجة الصوت رن في الأوضة كلها. في أول ثانية افتكرته زعلان على رانيا، بس بعد كده اكتشفت الأوسخ.. هو مكانش زعلان، هو كان مرعوب!
انكشاف المستور
بعد تلات أيام، إدارة العمارة كلمتني وطلبت مني نسخ من كل الفيديوهات. بعتلهم كل حاجة 27 تسجيل فيديو، كل فواتير الخساير، شكاوي الزباين، الفلوس اللي رجعتها، الحجوزات الملغية، والريفيوهات السلبية.
الأدلة كانت فاضحة ومفيهاش غلطة. مفيش أي مجال للبس أو حسن النية أو الصدفة. الفيديوهات كانت مبينة رانيا وهي واقفة ومستنية بالمرصاد لحد ما الزباين يقعدوا، وبعدين تدلق المية، وهي مبتسمة وشميتانة.
الإدارة علطول وجهت ليها إنذار بمخالفة صارمة، وراه إنذار تاني، وراه تالت. والحي فتح تحقيق رسمي، وخلال أسبوع رانيا لبتس في غرامات بآلاف الجنيهات.
الموضوع كان المفروض يخلص لحد هنا، بس محصلش؛ لأن في اليوم التامن، مدير العقار كلمني في التليفون بنفسه.
مدام أمل، إحنا اكتشفنا بلاوي تانية.
خير؟ في إيه؟.
الشقة رقم 804 دي طلع عليها كمية شكاوي وسوابق مش طبيعية.
قلبي دق بسرعة شكاوي إيه بالظبط؟.
المدير سكت شوية وقال في كذا صاحب محل من اللي أجروا المحل الأرضي ده في السنتين اللي فاتوا قدموا شكاوي ومحاضر مضايقات بسببها.
اتعدلت في قعدتي نعم؟! يعني أنا مش الأولى؟.
ولا الأولى ولا التانية.. ده طلع قبل منك محل ورد، وبعده مخبز، وبعده محل مستلزمات حيوانات أليفة، ومركز يوجا.. كل مشروع من دول قدم شكاوي، وكلهم مشيوا وسابوا المكان في ظرف شهور قليلة بشكل غامض. وكلهم بلاغاتهم مرتبطة بالست اللي في شقة 804؛ شكاوي إزعاج مفبركة، تسريب مية عمد، بلاغات مجهولة للحي، حملات تشويه إلكترونية على النت، وتخريب متعمد. الست دي كانت بتمارس إرهاب منظم ضد المحلات بقالها سنين، بس مكانش حد بيربط الخيوط ببعضها.. لحد ما إنتي جيتي بالفيديوهات والأدلة دي.
المواجهة
بالليل رجعت البيت بدري، لقيت رامي قاعد على الكنبة، وتليفونه مقلوب على شاشته جنبه. لأول مرة مبقاش شكله الواثق المنظر، كان باين عليه الهلاك والتعب.
أمل..
تجاهلته وكملت مشي.
أرجوكي يا أمل، خلينا نتكلم.
مش عايزة أتكلم.
عشان خاطري، اسمعيني.
لفيت وبصيتله بالراحة؛ عنيه كانت حمرا، مش من الغضب، من الندم والذنب.
أنا عارف إنتي بتفكري في إيه دلوقتي.
بجد؟ عارف؟.
ربعت إيدي وقولتله طب قولي بقى، إيه اللي حصل بالظبط؟.
بص رامي في الأرض ووقت طويل مر وهو ساكت، لحد ما اتكلم، وكل كلمة كانت بتنزل عليا زي السكينة.
الموضوع بدأ من ست شهور.. رانيا قربت مني تحت وجرت معايا كلام، بعدها شربنا قهوة، وبدأت تحكيلي وتشتكيلي من طلاقها، ووحدتها، ومشاكلها المادية، وحياتها الصعبة. أنا حسيت إني المنقذ بتاعها.. البطل، السند، الراجل اللي بيفهمها ويسمعها، واللي تقدر تطلبه في أي وقت. بقيت أساعدها أشيل الشنط، أصلحلها حاجات باظت في الشقة، أخلص ليها أوراق، وأسمع همومها. وكل ما إنتي كنتي بتنزلي تشتكيلي من قلة أدبها وميتها، كانت هي بتلعب قدامي دور الضحية المسكينة.. لأن أنا كنت خلاص بنيت ليها صورة في خيالي؛ إنها ست غلبانة، محتاجة حد يحميها ويقف جنبها.
السقوط المدوي وعقدة المقاول اللعوب
بعد أسبوع، التحقيقات اتقلبت ل قنبلة. إدارة العمارة اكتشفت حاجة أكبر بكتير؛ رانيا مكنتش بتمر بأزمة مادية بسبب الطلاق، ولا كانت بتعافر، ولا كانت وحيدة.. دي اصلاً مكنتش مطلقة رسمي! جوزها سابها وهرب بسبب إنها كانت متهمة في قضايا نصب ومضايقات وفبركة كتير. كان معمول ضدها قضيتين مدني في المحافظات المجاورة، وإنذارين بعدم التعرض، وتلات قضايا تعويض. الست الرقيقة الغلبانة المكسورة دي كانت مجرد شخصية وملاية متفصلة ومنحوتة بدقة عشان تنصب بيها على الناس.. ورامي لبس الطُعم بكل غباء.
بعدها جت الضربة القاضية اللي