الهروب مشيرة محمد

​الهروب

​”رجعت بعد سنتين، كنت فاكر إن عيالي مستنييني مع أمهم، بس لقيتهم لوحدهم.. الثلاجة فاضية، وكلب حارس الباب. بنتي كل اللي قالتهولي: ‘ماما مشيت وأنا اللي خدت بالي من أخويا الصغير’، وبعدها فتحت جواب البنك وعرفت إن اللي جاي أسوأ بكثير.”

​— أمكم سابتكم ومشت مع راجل تاني، وقالت مش قادرة تشيل شيلتكم أكتر من كده.

​دي كانت أول كلمة سمعها المقدم أحمد شاكر أول ما رجع بيته بعد غياب قارب السنتين، كان في مأمورية عسكرية صعبة في سينا. مفيش أحضان استقبال، مفيش لقمة دافية مستنياه، مفيش حس ولا خبر في الصالة.

​مفيش غير بنته فريدة، عندها عشر سنين، واقفة على الباب وعينيها هربان منها النوم، ومتبتة في أخوها الصغير ياسين كأنه حتة منها. وجنبهم “رعد”، كلب “جيرمن” عجيب وخسيس من قلة الأكل، بيزمجر وجسمه سد خانة قدام العيال، كأنه لسه بيحرس بيت الكل نسيوه.

​أحمد رمى بيادته وشنطة الميري على الأرض وصوته يرعش:

— فريدة… أمال فين أمك يا بنتي؟

​البنت وطت راسها في الأرض وقالت:

— مشيت يا بابا.. من شهور. قالت رايحة تبدأ حياتها من جديد. كنت فاكرة إنها هترجع.. بس مفيش.

​أحمد حس إن الأرض بتلف بيه. هو ياما استحمل ليالي من غير نوم، وخوف، وبرد، وأوامر في عز ضرب النار.. بس مفيش حاجة كسرت ضهره زي ما شاف بنته بإيدين ناشفة، ومريلة مدرسة مرقوعة، وكبر سنها قبل أوانه، كبر مفيش عيل المفروض يشوفه.

​دخل البيت براحة.. ريحة المكان كتمة ورطوبة وأكل بايت. في المطبخ طبقين، وحلة فيها رز شايط، وكيس عيش ناشف. الثلاجة مفيهاش الهوا. وعلى السفرة لقى كشكول فريدة مفتوح على واجب التعبير، وكان العنوان “عائلتي”.. رسام فيه أب بعيد قوي، وعيل صغير، وكلب كبير، وهي في النص شايلة الليلة كلها لوحدها.

​أحمد حط إيده على بقه عشان ما يتكسرش قدامهم ودموعه تنزل:

— ومين كان بيأكلكم؟

​فريدة حطت ياسين ورا ضهرها أكتر وقالت:

— ساعات طنط صباح جارتنا كانت بتجيب لنا طبق فاصوليا. وساعات كنت ببيع أطباق جيلي في المدرسة.. و”رعد” كان بيطرد أي حد يجي يخبط على الباب عشان فلوس.

​ياسين، اللي كان لسه بينطق بالعافية، استخبى ورا رجل أخته وهمس:

— ماما قالت فريدة بقت كبيرة خلاص.

​أحمد غمض عينيه.. الجملة دي وجعته أكتر من أي رصاصة.

​الحقيقة المرة

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *