مصاريف البيت

”عايز تقسم المصاريف؟.. قشطة جداً!”
”بصي يا أميرة، من أول الشهر ده كل واحد فينا هيشيل مصاريفه بنفسه. أنا بصراحة تعبت من كتر ما بصرف عليكي.”
فهد قال الجملة دي وهو واقف في المطبخ بثقة غريبة، لدرجة إني للحظة حسيت إني صعبان عليا من اللي هيشوفه.
كنت وقتها بخرّط الكزبرة عشان الغدا. صوت السكينة على القطاعة كان هادي، والمطبخ مكنش فيه صوت غير خبط السكينة، وزنّة التلاجة، وصوت الحلة اللي بتغلي على البوتجاز.
لا صرخت.. ولا عيطت.. ولا حتى وقفت تقطيع.
رديت عليه بمنتهى الهدوء:
— “قشطة جداً.. عين العقل.”
فهد برّق بعينيه وهو مستغرب. كان مجهّز نفسه لخناقة وعاصفة، بس لقاني هادية هدوء ماكانش يتوقعه خالص.
— “قشطة؟”
— “آه طبعاً.. فصل المصاريف ده حاجة مودرن وعادلة جداً، وبتخلي كل حاجة على النور. نبدأ من بكرة.”
فضل فاتح بقه ومبلم كام ثانية.
جوزي مهندس مدني شغال في شركة مقاولات كبيرة في التجمع الخامس. بيشرف على مشاريع سكنية فخمة، وكومباوندات أصحابها بيتباهوا بيها كأنها قصور. مرتبه كان حلو.. حلو أوي كمان.
بس بقاله سنين بيتصرف وكأن فواتير البيت بتتدفع لوحدها، وكأن نور وماية وإنترنت ومصاريف البيت وحتى مناديل الحمام بتيجي بمعجزة من السما!
أما أنا بقى، فكنت مديرة قسم اللوجستيات في شركة صناعية كبيرة في 6 أكتوبر. بقبض مرتب أعلى منه، وبشتغل ساعات أطول منه.
ومع كل ده، كنت كل يوم جمعة أقف أطبخ لعيلته كلها، وكأن بيتي ده مطعم ببلاش فاتح أبوابه للكل.
في الأول كنت بعمل كده
بحب. أمي دايماً كانت تقولي: “الطبخ للناس اللي بنحبهم حضن من غير دراعات.”
وكنت فعلاً بحب أعمل المحاشي، والمكرونة البشاميل، والرقاق باللحمة، والبط، والحلويات، وكل العزومات اللي بتخلي البيت ريحته دفا وعيلة.
الطبخ عمره ما كان المشكلة. المشكلة كانت حماتي!
كانت تيجي كل يوم جمعة شايلة أكياس فاضية وشنطة مليانة علب بلاستيك، ولسانها مابيبطلش تعليقات وانتقادات:
— “الرز النهاردة معجن شوية يا أميرة.”
— “البشاميل حلو، بس الملح ناقص حبتين.”
— “بمرتبك ده كله، كان المفروض تجيبي لحمة أحسن من دي شوية، مش كده؟”
وبعدين تبدأ تعبي العلب بالأكل اللي في تلاجتي عشان تاخده لسعد أخو فهد، ومراته نورة، وعيالهم التلاتة. وكأني مخلوقة عشان أأكل عيلة فهد طول العمر.
محدش فيهم كان بيكلف خاطره يسأل الأكل ده اتكلف كام. محدش كان بيغسل ورايا طبق واحد. ومحدش كان بيقول “تسلم إيدك” من غير ما يلزق فيها تعليق بايخ أو نقد.
وفي الشهر ده، ومن باب الفضول، فتحت شيت “الإكسيل” بتاع المصاريف اللي عاملاه على اللاب توب بتاعي. جمعت تكلفة اللحمة، الخضار، الحلويات، المشروبات، الهدايا، طلبات ولاد أخوه، وحتى الأدوية اللي فهد كان بيجيبها لأمه بحجة: “يا عيني ظروفها صعبة الشهر ده.”
ولما خلصت الحسبة، اتسمرت في مكاني.
في عزومات يوم الجمعة دي بس… صرفت في سنة واحدة حوالي 150 ألف جنيه!
150 ألف جنيه راحوا على العزومات والمشاريب والحلويات والمصاريف الزيادة، والكرم اللي الكل كان بيستمتع بيه وفي نفس الوقت بيعتبروه “فرض” عليا.
فهد كان بيحول مبلغ بسيط كل شهر لحسابنا المشترك، وباقي مرتبه كان رايح على البلايستيشن، خروجات صحابه، القهوة المختصة، الجزم الجديدة، والفلوس اللي بيبعتها لأمه.
الأسبوع اللي فات حصل موقف خلاني أفوّق أكتر. فهد رجع البيت ومعاه جهاز “بلايستيشن” جديد. قالي إنه جابه عشان يفصل من ضغط الشغل.
وفي نفس اليوم ده، كنت أنا اللي دافعة فاتورة الكهربا، وطلبات البيت، وشنطة مدرسة جديدة لابن أخوه الصغير عشان حماتي قالتلي: “الواد مكسوف من شنطته القديمة قدام صحابه.”
ولما طلبت من فهد إنه يزود مساهمته في مصروف البيت شوية، اتنهد تنهيدة طويلة وكأني بطلع في روحه، وقالي:
— “يا أميرة، إنتي مابتتكلميش في حاجة غير الفلوس!”
ماردتش. بس حفرت الجملة دي في دماغي.
في الحقيقة، فكرة إننا نفصل فلوسنا دي مكنتش فكرته لوحده. بقاله أسابيع عمال يجيب سيرة واحد زميله في الشغل اسمه ماجد. راجل مطلق ومابيبطلش يكرر جملة: “الستات دول عايشين على قفانا وبيستغلونا.”
أما حماتي بقى فكملت الناقص في عزومة من العزومات، وقالت وهي بتمسح بقها بالمنديل: “الأزواج المودرن دلوقتي بيفصلوا فلوسهم، عشان محدش يشيل مصاريف التاني.”
في اللحظة دي فهمت الليلة كلها. كانوا فاكرين إني عايشة على قفا فهد! فاكرين إن أكلي وتنضيفي ومصاريفي وتعبي وحتى مرتبي.. دي مجرد “واجبات” لازم أعملها وأنا ساكتة.
التيكت البمبى
الليلة دي كملت عشايا لوحدي. وفهد أصلاً ماخدش باله إن اللعبة ابتدت.
تاني يوم الصبح، حضرت الفطار لنفسي بس. بيض وتوست وفاكهة فريش وقهوة سخنة. وقعدت أفطر بمزاج وهدوء.
فهد نزل من فوق، شعره منكوش وعينيه مقفلة من النوم، وسألني:
— “فين قهوتي؟”
— “اعملها لنفسك.” رديت بمنتهى الهدوء.
— “مش إحنا فصلنا المصاريف؟ كل واحد مسؤول عن نفسه من هنا ورايح.”
فتح التلاجة.. واتسمر في مكانه.
كل حاجة كان محطوط عليها تيكت لونه بمبى. البيض.. الجبنة.. اللبن.. العصير.. الفاكهة.. القهوة.. حتى الكانزات! بصلها وكأن التلاجة خانته.
— “أميرة..”
— “نعم؟”
— “إنتي حطيتي تيكت على الأكل؟”
— “أومال؟ طالما كل واحد فينا بيدفع تمن حاجته، يبقى كل واحد ياكل من اللي اشتراه.”
— “ماكنتش متخيل إنك هتاخدي الموضوع قفش كده!”
— “وأنا متعودة آخد طلباتك بجدية تامة.”
نزلت شغلي وسبته واقف في المطبخ بيلف حوالين نفسه عشان يلاقي حاجة ياكلها. وأنا في الأسانسير، ابتسمت. مش شماتة والله، بس راحة بال ووضوح. لو فهد عايز البيت يتقسم بينا.. فقرّيب أوي هيعرف شكل كل حيطة في التقسيمة دي.
بس اللي حصل يوم الجمعة اللي بعدها كان أكبر بكتير من اللي توقعه.
الساعة 2 الظهر، وصلت حماتي. ومعاها سعد ونورة والعيال، ومعاهم طقم العلب البلاستيك الفاضية، زي ما بيعملوا كل أسبوع بالظبط. كانوا مستنيين عزومة الأسبوع المعتادة.
بس المرة دي.. المطبخ كان بيبرق من النضافة. والبوتجاز مطفي.
أما أنا، فكنت قاعدة في الصالة في روقان، بشرب كوباية عصير وبتفرج على مسلسل قديم.
دخلت حماتي وهي بتبص حواليها باستغراب:
— “في إيه؟ إنتي لسه ماجهّزتوش الغدا ولا إيه؟”
— “غدا إيه؟” سألتها بكل هدوء.