كنز ف مقلب الزبالة 2منال على

الفصل الثاني
الدموع نزلت من عين ندى سخنة وحارقة على خدودها. بصت لكريم اللي واقف جنب الكنبة، وبصت للفلوس. الصراع كان رهيب.. صراع بين الفقر المدقع والراحة الأبدية، وبين ضمير صاحي وإنسانية حقيقية.
افتكرت جوزها الله يرحمه “أحمد”.. افتكرت لما كان بيرجع من شغله على الموتوسيكل وتعبان، وكان دايمًا يقولها: “يا ندى، نجوع ونموت من الجوع بس الحرام عمره ما يبني بيت، ولا يربي عيل صالح.. القرش الحلال فيه بركة والآخرة أهم من الدنيا الكدابة.”
خدت نفس طويل وعميق، ومسحت دموعها بكم جلابيتها وقالت بنبرة هادية وثابتة خلت أم مروة تضرب كف على كف بذهول:
“يا فاعل الخير.. اهدي.. شنطتك معايا وفلوسك كاملة وملمسهاش مخلوق.. والظرف والصورة والتليفون معايا.”
صوت الراجل في التليفون سكت لثانية كأنه مش مصدق وشهق شهقة بكاء حارة:
“أنتِ بتتكلمي بجد؟! الشنطة معاكي؟ الفلوس كاملة؟! يا رب لك الحمد يا رب.. أنتِ مين؟ وجدعة منين؟”
“أنا ندى.. أرملة وساكنة ورا عمارات العصافرة.. في البيوت القديمة اللي ورا المقلب.. الشقة في الدور الخامس.. تعال خد حاجتك وربنا يشفي بنتك ويقومهالك بالسلامة.”
الراجل قال بلهفة وصوت بيترعش من الفرحة:
“مسافة السكة.. نص ساعة وأكون عندك.. أرجوكِ خليكي مكانك ومتفتحيش الباب لحد!”
قفل السكة، وندى حطت التليفون على الترابيزة وبصت لـ أم مروة اللي كانت بتبصلها بنظرة غضب وحسرة:
“أنتِ مجنونة يا ندى! ضيعتي ورقة الجنة من إيدك! ضيعتي الملايين عشان كلمة طيبة وصورة بنت متعرفيهاش! بكرة تندمي وتلفي على البيوت عشان تجيبي تمن عشا الواد!”
ندى قالت بابتسامة رضا حقيقية مخلتش الخوف يسيطر عليها:
“عمري ما هندم يا أم مروة.. الفلوس دي لو خدتها كنت هعيش طول عمري خايفة ومرعوبة، وحاسة إن ذنب البنت دي في رقبتي ورقبة ابني. الحلال أجمل يا أم مروة.. وأنا شبعانة بكرامتي وأمانتي.”
أم مروة قامت وهي بتبرطم بغضب:
“براحتك يا ستي.. عيشي في فقرِك وأنا نازلة شقتي بلا وجع دماغ!” وخرجت ورزعت الباب وراها.
المرور في العصافرة كان هادي، والوقت بيعدي كأنه سنين على ندى. قعدت جنب كريم وحضنته جامد، والاتنين فضلوا مستنيين في هدوء تام، مفيش غير صوت دقات ساعة الحائط القديمة وصوت الهوا البارد بيخبط في الشباك.
بعد حوالي ساعة إلا ربع.. وقفت عربية سودا تحت البيت، ندى سمعت صوت فراملها وصوت قفل الأبواب. بصت من ورا الستارة، لقت نفس العربية السودا الفخمة واقفة، ونزل منها نفس الراجل الشيك، بس ال المرة دي كان وشه شاحب، وتحت عينه سواد من التعب والهم، والبدلة مبهدلة كأنه كان في معركة.
طلع السلالم بسرعة رهيبة، ندى سمعت خطوات رجله السريعة والتقيلة على السلم الخشب المكسر، لحد ما وصل للدور الخامس وبدأ يخبط على الباب بخبطات متتالية ومرعوبة.
ندى راحت فتحت الباب بحذر، ووقفت ورا الترباس. الراجل أول ما شافها، عينيه راحت فورًا للشنطة الكحلي اللي محطوطة على الترابيزة في الصالة ونظيفة وزي ما هي.
الراجل جرى على الشنطة وحضنها بدموع حقيقية، كأنه بيحضن بنته اللي بتموت.. فتح السوستة بسرعة وبص على رزم الفلوس والظرف والتليفون، وتأكد إن كل مليم مكانه. وقع على ركبه على أرض الصالة البسيطة وبكى بحرقة وصوت عالي هز جدران الشقة الضيقة.
“الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. لسه في ناس شرفاء في الدنيا.. أنا كنت فقدت الأمل.. كنت متأكد إن اللي هيلاقي الشنطة دي في المقلب هياخدها ويهرب ويسيب بنتي تموت!”
ندى طبطبت عليه بنبل من بعيد وقالت بصوت هادي:
“يا أستاذ وحد الله.. دي فلوس بنتك وحقها في العلاج، مفيش حد يقدر يمد إيده على حاجة مش بتاعته وخصوصًا لو تمن حياة روح بريئة. ربنا يشفيها ويطمن قلبك عليها.”
الراجل قام ومسح دموعه، وبدأ يبص حواليه في الشقة.. بص للحيطان المقشرة، وللكنبة الدايبة، والترابيزة الخشب القديمة. وبعدين عينه جت على كريم الصغير اللي مستخبي ورا جلباب أمه وعينيه بتبص للشنطة الجديدة بحزن طفولي بريء لأن الشنطة اللي فرح بيها هتمشي وتلسبه تاني لشنطته المقطعة.
الراجل سكت شوية، وبلع ريقه كأنه بيفكر في حاجة كبيرة. مد إيده في جيب بديلته الداخلي وطلع ظرف تاني خالص، لونه بني ومقفل كويس، باين من سمكه إنه مليان فلوس تانية.
مده ل ندى وقال بنبرة رجاء:
“أرجوكِ يا مدام ندى.. خدي الظرف ده.. ده مكافأة بسيطة وأنا والله العظيم لو عشت عمري كله أخدمك مش هوفيكِ حق اللي عملتيه معايا النهارده.”
ندى تراجعت لورا بسرعة وحطت إيديها ورا ظهرها وقالت بعزة نفس وولاد البلد الأحرار:
“لا والله.. أبداً! أنا مرجعتش الأمانة عشان أستنى مكافأة ولا فلوس.. لو كنت عايزة فلوس كنت خدت الشنطة كلها ومحدش كان هيعرف مكاني! ربنا يقوم بنتك بالسلامة وده كفاية عندي.”
الراجل ابتسم لأول مرة، ونظرة احترامه ل ندى تضاعفت مليون مرة. نزل لمستوى كريم الصغير وقال له بصوت دافي:
“اسمك إيه يا بطل؟” بقلم منــال عـلـي
“كريم..” رد الصغير بكسوف.
الراجل فك الشنطة الكحلي بسرعة، وطلع الفلوس والظرف والتليفون وحطهم في كيس معاه، وخد الشنطة الكحلي الفخمة وفاضية، وقدمها ل كريم وقال له بابتسامة:
“دي بقى بتاعتك أنت يا كيمو.. هدية من أختك الصغيرة اللي في المستشفى عشان تروح بيها المدرسة بكره وتكون أشطر واحد في الدنيا.”
كريم بص لأمه وعينيه بتلمع رجاء، ندى هزت راسها بالموافقة وهي بتبتسم. كريم خد الشنطة وحضنها بفرحة هستيرية ونط في مكانه.
يتبع