في لحظه واحدة

في اللحظة اللي قالت فيها مدام ناهد الجملة دي، كان الحاج فؤاد السيوفي ساكت على الطرف التاني من الخط. رجل أعمال معروف في القاهرة، تعدّى السبعين، وشاف في حياته من الخـ,ـيانة أكتر مما شاف من الوفاء. لكنه لما سمع اسم عم حسين، حس بحاجة بتضغط على قلبه.
قال بصوت هادي لكنه حاسم: “استنيه عندك… أنا نازل حالًا.”
خلال دقائق قليلة، كان الخبر انتشر في الفندق كله زي النـ,ـار في الهشيم. عامل الاستقبال همس لزميله، وعمال النظافة وقفوا يبصوا لبعض بعدم تصديق، وحتى الشيف الكبير خرج من المطبخ وسأل بصوت مخـ,ـنوق: “عم حسين؟ يسـ,ـرق؟ مستحيل.”
لكن الحقيقة في الأماكن الكبيرة مش دايمًا بتكون هي اللي بتوصل الأول… اللي بيوصل الأول هو الاتهام.
دخل عم حسين مكتب المديرة وهو ماسك كابته بين إيديه، واقف بانحناءة بسيطة من سنين التعب والشقى. عينيه كانت مليانة قلق، لكن فيها نفس الهدوء اللي عاش بيه عمره كله.
قال بصوت منخفض: “حضرتك طلبتني يا مدام ناهد؟”
رفعت عينيها نحوه ببرود، وعلى جانب المكتب وقف مدير الأمن واثنين من الموظفين.
قالت بلهجة قاسية: “فين الساعة يا عم حسين؟”
رمش بعينيه أكثر من مرة. “ساعة إيه يا فندم؟”
“الساعة اللي سـ,ـرقتها من جناح 1208.”
كأن الأرض اتحركت من تحت رجليه.
“أنا؟ أسـ,ـرق؟ ده أنا اللي سلمتها لحضرتك بإيدي.”
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية. “يعني كمان بتكدب؟”
وفي اللحظة دي، فتح باب المكتب.
دخل الحاج فؤاد بنفسه.
ساد الصمت.
كان وجوده وحده كفاية يخلي كل اللي في الغرفة يتوتروا. رجل قليل الكلام، لكن نظرته كانت أشد من أي محكمة.
بص للحاضرين واحد واحد، ثم قال: “سيبونا لوحدنا.”
خرج الجميع، ولم يبقَ في الغرفة إلا هو وعم حسين ومدام ناهد.
نظر الحاج فؤاد إلى عم حسين أولًا. “بصلي يا حسين.”
رفع الرجل المسن عينيه بصعوبة، وكانت دمعة معلقة على طرف جفنه.
“أنا ما سـ,ـرقتش يا حاج فؤاد. وربنا يعلم.”
هز الحاج فؤاد رأسه ببطء. “أنا عارف.”
تجمدت مدام ناهد مكانها. “يعني إيه عارف؟”
لم يرد عليها فورًا. مد يده إلى جيب بدلته، وأخرج جهازًا صغيرًا أسود اللون، ثم وضعه فوق المكتب.
قال بهدوء: “دي وحدة تخزين متوصلة بكاميرات سرية في مكتبي.”
شحب وجه ناهد.
ضغط زرًا صغيرًا، وظهر تسجيل صوتي واضح.
صوت عم حسين وهو يقول: “لقيتها في الجناح وسلمتها لحضرتك.”