البنت والمتشرد

نسخ
كل يوم وقت الفسحة، ولد يتيم ومشرد بيقعد قدام بوابة مدرسة لغات.. وبنت صغيرة من عيلة غنية بتبعت له نص غداها من ورا الحديد في السر.
كل يوم وقت الفسحة، ولد يتيم ومشرد بيقعد قدام بوابة مدرسة لغات.. وبنت صغيرة من عيلة غنية بتبعت له نص غداها من ورا الحديد في السر.
في الأول، الموضوع كان يبان بسيط.. طفلة بتاكل، وطفل بيشاركها.. مفيش أكتر من كدة. بس الطقس الصغير اللي مكنش حد شايفه ده، كان هيغير حياة الاتنين بطريقة مكنش حد يتخيلها.
الولد كان اسمه ياسين.. مكنش له مكان ينتمي ليه.. بينام في أي حتة المدينة تسمح له بيها، جنب المترو، ورا المطاعم، في زوايا منسية مفيش حد بيبص فيها. هدومه كانت دايبة من الشمس والمطر، وجسمه كان باين عليه الجوع.. بس عينيه مكنتش بتشحت، كانت عينين هادية.. جوعها كان لحاجة تانية غير الأكل.
البنت كان اسمها ليلى.. عندها 9 سنين.. البنت الوحيدة لعيلة الهاشمي، اسم معروف وسط أغنياء البلد.. أبوها صاحب فنادق ومطاعم فخمة، وأمها كانت دايما بتقول لها كلمة واحدة: لو ربنا كرمك وعندك أكتر من غيرك، استخدميه عشان تساعدي مش عشان تتباهي.
ليلى كانت في مدرسة انترناشونال في حي راقي.. مكان بواباته بتلمع والنجيلة بتاعته مكنتش حقيقية من كتر جمالها.. والولاد بيوصلوا بعربيات بسواقين مش أتوبيسات.
وقت الغدا، الحوش بيتملي ولاد معاهم لانش بوكس فيه أحلى أكل وفاكهة متقطعة وعصاير ساقعة.
وبرا البوابة.. كان فيه ياسين.
أول يوم ليلى لاحظته.. تاني يوم فضلت تبص عليه.. تالت يوم خدت قرار.
قربت من البوابة بالراحة، وبصت حواليها عشان تتأكد إن محدش شايفها، وزقت نص الساندوتش بتاعها من ورا الحديد.
همست له: كل بسرعة قبل ما الأمن يشوفك.
ياسين ملمسش الأكل فوراً.. فضل باصص لها وكأنه مش مصدق إن فيه حد ممكن يعمل كدة من غير مقابل.
قال لها بصوت واطي: شكراً.
سألته: اسمك إيه؟
قال لها: ياسين.
ومن اليوم ده.. بقى ده الروتين بتاعهم.
كل يوم ليلى تجيب حاجة زيادة.. نص ساندوتش، رغيف عيش سخن، فاكهة، أو حتى اللبن بالشوكولاتة اللي عرفت إنه بيحبه. ياسين مكنش بيطلب حاجة.. بس كان دايما بيرجع.. مش بس عشان جعان، بس عشان في الكام دقيقة دول، كان فيه حد شايفه فعلاً.. مش كأنه مشكلة أو حتة من الرصيف، كأنه إنسان.
برا البوابة، حياة ياسين كانت صعبة.. بيشيل صناديق تقيلة، بياخد فكة وتضيع منه، وساعات بيطردوه من على الرصيف.. أيام بينام فيها من غير لقمة، وأيام مابيعرفش ينام أصلا من الخوف.. بس كل يوم العصر، كان لازم يرجع.. لأن ورا الحديد ده، كان فيه المكان الوحيد اللي هو مش فيه خيال.
ليلى مكنتش متخيلة إن اللي بتعمله ده هيبقى مشكلة.. بالنسبة لها الموضوع بسيط: حد جعان وهي معاها أكل، فبتديه له.
بس الطيبة البسيطة دي مابتعيش كتير في مجتمعات مبنية على المظاهر والبرستيج.
في يوم، وهي بتبعت له الساندوتش، شافت خيال وراها.. ليلى.
كان صوت حاد وقفها مكانها.. أمن المدرسة كان واقف وراه ومربع إيده.. وبص لياسين وهو ماسك الساندوتش.. وكل حاجة اتغيرت.
تاني يوم، الخبر كان مالي المدرسة.. بنت الهاشمي بتأكل شحات من ورا السور.
محدش قال الكلمة بإعجاب.. كلهم قالوها بقرف، أو بخوف مصطنع.. زمايلها بدأوا يغلسوا عليها: هو بيمشي وراكي للبيت؟ مش بتخافي يعديكي بمرض؟ إزاي تلمسيه أصلاً؟
ليلى فضلت ساكتة.. مش عشان مفيش عندها رد، بس عشان فهمت إنهم مش بيسألوا عشان يفهموه، هما بيسألوا عشان يفرقوا بينه وبينهم.
المدرسة بلغت أهلها.. وبليل كانت قاعدة قدامهم في الصالون والجو مشحون.
الأم كانت قلقانة، والأب كان هادي بزيادة، وده كان بيخوف أكتر.
أبوها قال لها: يا ليلى لازم تفهمي، الناس اللي زيه مابقوش كدة بالصدفة.
ليلى نزلت عينها في الأرض وقالت له بهدوء: لو أنا اللي كنت جعانة، كنت هبقى عايزة حد يساعدني أنا كمان.
الأوضة سكتت تماما.. محدش عرف يرد. بس الحقيقة لما بتبقى توجع، الكبار بيحولوا الوجع ده لقواعد.
بعد كام أسبوع، القرار طلع.. ليلى هتتنقل مدرسة تانية.. بيئة تانية، بداية جديدة.. والتعليمات كانت واضحة: ممنوع تقرب من البوابة القديمة، ممنوع تجيب أكل زيادة، وممنوع تجيب سيرة ياسين تاني.
بالنسبة للكبار، دي كانت تعديل مسار.. بس بالنسبة لياسين، كانت حاجة تانية خالص.
فضل مستني.. أيام.. في نفس المعاد.. عند نفس البوابة.. بس ليلى مظهرتش تاني.
في الأول افتكرها اتأخرت.. بعدين افتكرها عيانة.. وفي الآخر فهم.
الشخص الوحيد اللي كان مخليه يحس إنه موجود.. اختفى.
وفي حاجة جوا ياسين انطفت.. الأمل لما بيمشي من غير تفسير، بياخد معاه الروح.
وفجأة في يوم.. ياسين هو كمان اختفى..
يتبع لايك وكمنت ويوصلك اشعار 👇👇👇
صلي على رسول الله ❤️أمها بصّت لها نظرة مختلفة… مش نظرة خوف ولا قلق… نظرة فهم.
قالت لها بهدوء:
“الصح عمره ما بيبقى غلط… بس أوقات إحنا بنخاف من كلام الناس أكتر من خوفنا من إننا نكون قاسيين.”
ليلى حسّت إن في حاجة اتغيرت.
تاني يوم… حصل اللي محدش كان متوقعه.
أمها صحّتها بدري وقالت لها:
“يلا نروح مشوار سوا قبل المدرسة.”
ركبوا العربية… وساقوا شوية…
لحد ما العربية وقفت.
ليلى بصّت من الشباك… قلبها دق بسرعة.
دي نفس المدرسة القديمة.
نزلت بسرعة، جريت على البوابة…
بصّت حواليها… نفس المكان… نفس الرصيف…
بس مفيش ياسين.
لفّت على عامل الأمن وسألته:
“هو الولد اللي كان بيقعد هنا… فين؟”
الأمن قال:
“اختفى من فترة… بس سمعت إنه كان بينام قريب من جامع آخر الشارع.”
من غير تفكير… ليلى شدّت إيد أمها وجروا على هناك.
دخلوا الشارع الضيق… لحد ما وصلوا عند الجامع.
وفي الركن…
كان في ولد نايم على الأرض… ملفوف في بطانية قديمة.
ليلى قرّبت خطوة… وقلبها بيخبط.
همست:
“ياسين؟”
الولد فتح عينه بالعافية…
بص… ومصدقش.
قام بسرعة كأنه خايف تكون حلم.
قال بصوت ضعيف:
“ليلى؟”
اللحظة كانت ساكتة… بس مليانة بكل حاجة.
لا لوم… لا عتاب… بس اشتياق.
ليلى دموعها نزلت وقالت:
“أنا كنت بدوّر عليك…”
ياسين ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
“أنا كنت مستنيكي… لحد ما افتكرت إنك مش هترجعي.”
الأم كانت واقفة وراهم… بتبص المشهد كله…
وشافت حاجة الكبار بينسوها كتير…
إن الرحمة مش خطر.
وإن الطيبة مش ضعف.
قربت منهم وقالت لياسين:
“تيجي معانا؟”
ياسين اتردد… مش عشان مش عايز…
بس عشان مش متعود حد يختاره.
قال بهدوء:
“ليه؟”
الأم ردّت:
“عشان مفيش طفل المفروض ينام في الشارع.”
ومن اليوم ده…
حياة ياسين بدأت تتغير.
دخل مدرسة…
بقى عنده سرير… هدوم نظيفة…
وأهم حاجة… بقى عنده اسم في مكان.
بعد سنين…
في احتفال كبير في مدرسة جديدة…
كان في شاب واقف على المسرح… بيتكرم لتفوقه.
اسمه: ياسين.
بص في الصفوف… وشاف بنت قاعدة بتبتسم له.
ليلى.
ابتسم وقال في الميكروفون:
“في ناس بتفتكر إن التغيير بيبدأ بحاجات كبيرة…
بس الحقيقة… حياتي اتغيرت بنص ساندوتش… واتنين إيدين اختاروا يكونوا طيبين.”
وأحيانًا…
أصغر فعل خير…
بيخلق أكبر قصة في حياة حد تاني ❤️بعد كلمة ياسين في الحفلة… القاعة كلها سكتت لحظة،
وبعدين التصفيق علي فجأة… تصفيق طويل، صادق.
بس ياسين مكنش سامع غير صوت واحد…
صوت زمان… ورا بوابة حديد…
“كُل بسرعة قبل ما الأمن يشوفك.”
ابتسم… ونزل من على المسرح…
ومشي مباشرة لليلى.
وقف قدامها وقال بهدوء:
“أنا عمري ما شكرتك كفاية.”
ليلى هزت راسها وقالت:
“أنا عملت حاجة بسيطة.”
ياسين رد وهو بيبص في عينيها:
“لا… إنتي عملتي حاجة غيرت مصيري.”
بعد سنين أكتر…
ياسين مبقاش مجرد طالب متفوق…
بقى دكتور.
بس مش أي دكتور…
اختار يفتح عيادة في مكان شبه المكان اللي كان عايش فيه زمان…
نفس الشوارع الضيقة… نفس الوجوه اللي محدش بياخد باله منها.
وكان دايمًا بيقول:
“اللي اتحرم من الرحمة… أولى إنه يديها.”
وفي يوم…
وقفت عربية فخمة قدام العيادة.
نزلت منها شابة أنيقة… بس ملامحها لسه زي ما هي.
ليلى.
دخلت… والناس مستغربة إن واحدة زيها مستنية دورها وسط الكل.
لما دخلت عنده… الاتنين سكتوا لحظة…
وبعدين ضحكوا.
قالت له:
“واضح إن نص الساندوتش عمل شغل جامد.”
رد بابتسامة:
“وإنتي لسه بتشاركي؟”
قالت له:
“دلوقتي أكتر من زمان.”
بمرور الوقت…
قرروا يعملوا حاجة سوا.
مش مجرد عيادة…
عملوا مؤسسة صغيرة… بتوفر أكل وعلاج وتعليم للأطفال اللي في الشارع.
وكان اسمها بسيط جدًا…
بس وراه حكاية عمر.
“نص ساندوتش”
وفي افتتاح المؤسسة…
ياسين وقف قدام الناس وقال:
“زمان كنت فاكر إني لو لقيت وجبة كاملة، حياتي هتتغير…
بس الحقيقة إن نص وجبة… مع قلب كامل… كان كفاية يخليني أعيش.”
وبص لليلى وقال:
“الخير مش لازم يكون كبير…
بس لازم يكون حقيقي.”
النهاية ❤️
وأهم حاجة تفضل فاكرها:
ممكن حاجة صغيرة جدًا منك…
تبقى كل حاجة لحد تاني.