الوصية الاخيرة منال علي

بعد سنة من طلاقي، اتطلبت أرجع لحضور قراءة وصية عيلة طليقي. أول ما دخلت، قابلوني بابتسامة سخرية… كأني مجرد ذكرى اتشالت من حياتهم، بقلم منال علي لحد ما الوصية اتفتحت وساعتها ساد صمت ثقيل خلى كل حاجة تتقلب فجأة. دخلت مكتب الموثّق وأنا عارفة مين موجود هناك. طليقي. والست اللي معاه. وحماتي. نفس التلاتة اللي كانوا سبب في انهيار حياتي قبل كده. بس أول ما الوصية اتفتحت، المحامي بصلي مباشرة وقال جملة خلت الجو كله يتجمد: “مدام ليلى… كويس إنك جيتي.” أنا ماكنتش هناك علشان مشتاقة لحد فيهم، ولا حتى بدافع أي إحساس بالحنين. السبب الوحيد اللي خلاني أحضر هو رسالة جاتلي امبارح بالليل… رسالة ماخدتش بالي منها بسهولة، وخلّتني طول الليل مش مرتاحة: “حضورك إجباري.” ما كانتش طلب. ولا دعوة. كانت أمر. لما دخلت، ما قعدتش. فضلت واقفة قريب من الباب، دراعي متشابكين، كأني لو ثبت مكاني ممكن أهدّي العاصفة اللي جوايا. في الجهة التانية، المحامي عدّل نضارته وهزّ راسه باحترام: “مدام ليلى، سعيد إنك جيتي.” “ماكانش عندي
اختيار كبير” رديت بهدوء. رتّب الورق قدامه وقال: بقلم منال علي “ده صحيح.” وبعدين أضاف جملة خلت الجو يبقى أتقل: “بس قريب هتكون ليكي اختيارات.” ساعتها ساد صمت غريب ومتوتر. وفجأة حسّيت بيهم ورايا… حضور تقيل… مألوف… ومش مرحب بيه. عماد. سارة. وأم عماد. عماد طليقي. سارة اللي كانت مساعدته وبقت شريكته. وأم عماد—ست قاسية تقدر تحوّل أي طيبة لعكسها في ثانية. عماد كان أول واحد كسر الصمت وقال بنفاد صبر: “ليلى، اقعدي خلينا نخلص.” “أنا كويسة واقفة” رديت ببرود. أم عماد لمّحت بسخرية: “لسه درامية زي زمان.” لفّيت أبص لهم ببطء. عماد كان زي ما هو… بدلة شيك، وقفة واثقة، وابتسامة كنت فاكرة إنها أمان في يوم من الأيام. سارة كانت واقفة جنبه، مثالية في شكلها، حاطة إيدها على دراعه كأنها مكانها الطبيعي من الأول… بثقة حد فاكرة إنها كسبت حاجة. وأم عماد كانت بتراقبني بنظرة فاحصة كأنها مستنية اللحظة دي من زمان. المحامي كحّ وقال: “نبدأ.” …وقبلها بأسبوع، كنت قاعدة لوحدي في مكتبي الصغير في الجيزة، وبراجع رسومات متأخر بالليل، لما التليفون رن قبل نص الليل. كنت هتجاهله… بس رديت. “مدام ليلى؟” “أيوه.” “حضرتك مع الموثق أحمد عبدالقادر… في أمر ضروري.” نبرة صوته خلتني أعتدل فورًا. “الموضوع بخصوص تركة الأستاذ محمود السيد.” اتجمدت. محمود السيد… والد عماد. والشخص الوحيد في العيلة دي اللي كان بيعاملني بإنسانية حقيقية. قال بهدوء: “توفى امبارح… وقبل وفاته طلب حضورك تحديدًا في قراءة الوصية.” بصيت قدامي مش مستوعبة. “أكيد في غلط… أنا وعماد مطلقين بقالنا سنة.” “مفيش غلط” رد بهدوء. “القراءة يوم الثلاثاء الساعة 10 الصبح.” وبعدين قال الجملة اللي زودت غموض الموضوع: “وحضورك إجباري.” بعد المكالمة، وقفت قدام شباك شقتي في القاهرة، ببص على نور الشارع. كان في وقت كنت فاكرة إن حياتي هناك هتفضل للأبد. سبع سنين جواز… وسبع سنين ببني حاجة كنت مؤمنة إنها حقيقية. لحد اليوم اللي كل حاجة وقعت فيه. اليوم اللي دخلت فيه بيتي و لقيت عماد وسارة مع بعض… كأني أنا الغريبة. تاني يوم، قابلت صحبتي المقربة سمر في كافيه صغير. سمر كانت محامية، ومن القليلين اللي بيقولوا الحقيقة من غير تجميل. لما حكيت لها، بصتلي بتركيز وقالت: “ده مش طبيعي.” “إزاي؟” قالت: “في حالات زي دي في قوانين الميراث… لو مطلق واتطلب يحضر قراءة وصية…” سكتت لحظة وبصتلي بجدية: بقلم منال علي “ده غالبًا معناه إن وجودك مش مجرد حضور عادي.” بلعت ريقي: “يبقى أنا إيه؟” قالت بهدوء: بقلم منال علي “ممكن تكوني محور الموضوع كله.” رجعت ببالي للمشهد وأنا واقفة في أوضة الموثّق… كأن كلام سمر لسه بيرن في ودني. محور الموضوع كله؟ بصيت للمحامي وهو بيقلب الورق قدامه ببطء، وبعدين قال بصوت هادي لكن واضح: “نبدأ بقراءة الوصية.” عماد اتنهد بملل وقال: “يلا بقى، خلصونا.” سارة ابتسمت ابتسامة صغيرة، وعماد كان باين عليه إنه متأكد إن كل حاجة في صالحه. وأم عماد كانت قعدة مستقيمة، كأنها مستنية لحظة انتصار. أنا… فضلت واقفة مكاني، عيني مش بتتحرك من على المحامي. بدأ يقرأ: “أنا محمود السيد… في كامل قواي العقلية… أوصي بما يلي…” الصوت كان هادي، لكن كل كلمة كانت بتقع تقيلة على المكان. “لعماد
السيد… أترك ما اعتاد أن يديره طوال حياته.” عماد ابتسم فورًا وقال بثقة: بقلم منال علي “أخيرًا.”